صديق الحسيني القنوجي البخاري
41
فتح البيان في مقاصد القرآن
منها ، كما فعل التابعون رحمهم اللّه بالجعد بن درهم ، ومن قال بقوله ، وانتحل نحلته الباطلة ، ثم ما زالوا هكذا لا يستطيع المبتدع في الصفات أن يتظاهر ببدعته ، بل يتكتمون بها كما يتكتم الزنادقة بكفرهم ، وهكذا سائر المبتدعين في الدين ، على اختلاف البدع ، وتفاوت المقالات الباطلة . ولكنا نقتصر ههنا على الكلام في هذه المسألة ، التي ورد السؤال عنها ، وهي مسألة الصفات ، وما كان من المتكلمين فيها بغير الحق المتكلفين علم ما لم يأذن اللّه ، بأن يعلموه ، وبيان أن إمرار آيات الصفات على ظاهرها ، هو مذهب السلف الصالح ، من الصحابة ، والتابعين ، وتابعيهم ، وأن كل من أراد من نزاغ المتكلفين ، وشذاذ المحرفين ، والمتأولين ، أن يظهر ما يخالف المرور على ذلك الظاهر ، قاموا عليه ، وحذروا الناس منه ، وبينوا لهم أنه على خلاف ما عليه أهل الإسلام ، فصار المبتدعون في الصفات ، القائلون بأقوال تخالف ما عليه السواد الأعظم من الصحابة والتابعين وتابعيهم ، في خبايا وزوايا لا يتصل بهم إلا مغرور . ولا ينخدع بزخارف أقوالهم إلا مخدوع ، وهم مع ذلك على تخوف من أهل الإسلام وترقب لنزول مكروه بهم من حماة الدين من العلماء الهادين والرؤساء والسلاطين ، حتى نجم ناجم المحنة وبرق بارق الشر من جهة الدولة ومن لهم في الأمر والنهي والإصدار والإيراد الأعظم صولة ، وذلك في الدولة المأمونية بسبب قاضيها أحمد بن أبي دؤاد . فعند ذلك أطلع المنكمشون في تلك الزوايا رؤوسهم ، وانطلق ما كان قد خرس من ألسنتهم ، وأعلنوا مذاهبهم الزائغة ، وبدعهم المضلة ، ودعوا الناس إليها ، وجادلوا عنها ، وناضلوا المخالفين ، حتى اختلط المعروف بالمنكر ، واشتبه على العامة الحق بالباطل ، والسنّة بالبدعة . ولما كان اللّه سبحانه ، قد تكفل بإظهار دينه على الدين كله ، وحفظه عن التحريف ، والتغيير ، والتبديل ، أوجد من علماء الكتاب والسنّة في كل عصر من العصور ، من يبين للناس دينهم ، وينكر على أهل البدع بدعهم ، فكان لهم - وللّه الحمد - المقامات المحمودة ، والمواقف المشهورة في نصر الدين ، وهتك المبتدعين ، وبهذا الكلام القليل الذي ذكرناه ، تعرف أن مذهب السلف من الصحابة ، والتابعين ، وتابعيهم ، هو إمرار أدلة الصفات على ظاهرها ، من دون تحريف لها ، ولا تأويل متعسف ، لشيء منها ، ولا جبر ، ولا تشبيه ، ولا تعطيل ، يفضي إليه كثير من التأويل وكانوا إذا سأل سائل عن شيء من الصفات ؛ تلوا عليه الدليل ، وأمسكوا عن القال والقيل ، وقالوا : قال اللّه هكذا ولا ندري بما سوى ذلك .